فن الهجاء عند ابن شهيد الأندلسي القرطبي من خلال كتابه “رسالة التوابع والزوابع”


فن الهجاء عند العرب لقد تفنن الأدباء من الكُتَّاب والشعراء في الرد على الخصوم وبيان ضعفهم ومناضلتهم وانتقاص أدبهم، واتخاذ الكلمة سوطا يلسع ظهورهم، ويظهر عورتهم، ويكشف الحسد الجاثم على أكبادهم،فمنهم من بالغ جدا وحمل نفسه إدا، فلم يترك قبيحا إلا ووسمهم به، ولا خبيثا شنيعا إلا ووصفهم به، ومنهم من أعرض عنهم حلما واحتقرهم شزرا، فرأى أن العمر أقصر من أن يصرف في مهاترات وفقاعات وسجالات تضر ولا تنفع، وتجلب الحقد والضغينة ولا تدفع، ومنهم من اقتصد وتوسط، فنافح عن نفسه ودافع، وحفظ ماء وجهه ورافع، دون أن يفرط أو يُفرِّط.

ولهم في ذلك طرق غريبة وسبل عجيبة، لعلّ أعجبها وأغربها ما صنعه ابن شهيد الأندلسي القرطبي ( توفي 426هـ ) الذي عاصر الدولة الأموية في الأندلس، وتقلب في نعمها وارتشف من نعيمها خلال القرن الخامس الهجري، ذلك أنه ألف رسالة حسناء، بدعا من المؤلفات، دافع فيها عن نفسه وهجا فيها خصومه، وسلك فيها طريقا مبتكرا في منافحة الأعداء والتنديد بعجزهم، وخط له مذهبا جديدا في فن الهجاء لم يكن معروفا ولا شيئا ملمومسا من ذي قبل، إنها رسالة التوابع والزوابع التي من خلالها رد الاعتبار لذاته، واحتقر خصومه وأعداءه بأسلوب تتشقق له أكمام البيان، وطريقة ترتاح لها الآذان، فكانت زهرة أخرى تنضاف إلى باقة الأدب العربي.

محاور كتاب “رسالة التوابع والزوابع” لابن شهيد

يستهل صاحبنا رسالته بمحاورة شخصية ابتكرها واخترعها ووسمها بأبي بكر بن حزم، فيذكر له كيف تعلم وأوتي سبيل الفهم، ثم يشرع في نظم أبيات يرثي من خلاها حبيبا له قد مات، بيد أن القريحة تخونه، والكلمات تأبى تلبية ندائه، فيتعلثم ويضطرب، هناك يتبدى له جني اسمه زهير بن نمير، فيكمل له الأبيات ويساعده في الرثاء، وكانت العرب تعتقد أن لكل شاعر جنيا يساعد في سبك الأبيات واختراع المعاني، يسمونه تابعا.

فلما تأكدت الصحبة بين ابن شهيد وتابعه زهير بن نمير، وتوطّدت بينها الصلة وقويت العلاقة، يسأل ابن شهيد تابعه الجني زهير بن نمير أن يصحبه إلى أرض الجن والتوابع، فيطير به على فرس مجنح إلى عالم الأرواح من أرض الجن، وهناك يلتقي بتوابع الشعراء، أهل العصر الجاهلي فالأموي فالعباسي، فيلتقي بتابع امرئ القيس وصاحب طرفة وجني أبي تمام وتابع شاعر الخمرة والمجون أبي نواس وغيرهم، فينال منهم الإجازة، ويشهدون له بالشاعرية.

عندما يلتقي بتوابع الكتاب، ويضيف بذلك نظرية أخرى لم تكن معروفة في الأدب العربي، مفادها أن للكتّاب توابع كما للشعراء، بمعنى  أن لهم رئيا من الجن يساعدونهم في تسويد بياض المجلدات، فيلتقي إذن بتابع الجاحظ وعبد الحميد وغيرهما، فيجيزونه ويشهدون له بالأدب ويعترفون أن الخاطر يرتاح له إذا كتب.

بعد ذلك يطوف حول مجالس أدباء الجن، فيدور الكلام بينهم حول بعض القضايا النقدية التي كانت تشغل عصره، كالسرقات الأدبية مثلا، وهي صفة كان متهما بها، ثم يخلصون بعد ذلك للحديث عن بيت للنابغة، تداوله الشعراء من بعده لكنهم لم يلحقوه في شاعريته ونبوغه، ثم ينتقل بعد ذلك للحديث مع حمير الجن وبغالهم وحيواناتهم، فيُطلب منه الفصل بين حمار وبغل في شعر قالاه للتغزّل بأتان.

فيحيلهم على بغلة أبي عيسى وهو أحد أعدائه، معلّلا ذلك أن البغال تعرف بعضها، وفي هذا هجاء لخصمه أبي عيسى وأي هجاء، ثم يناظر بعد إوزّة جعلها تابعة لبعض النحاة أعدائه، فيردعها ويسفه أحلامها ويكشف حمقها، وهو في الحقيقة يكشف حمق أعدائه من النحاة ويهجوهم ويقض مضجعهم، لتنتهي بعد ذلك ما رسالة التوابع والزوابع، وقد أرضى صاحبنا نفسه وهجا خصومه بطريقة لا زالت إلى اليوم بكرا لم تتداولها الأقلام إلا نزرا.

وقد يلوح للقارئ أن هذا لا يعدو كونه نسجا من الخيال لا علاقة له بالهجاء، والواقع عكس ذلك، فصاحبنا من خلال سجالاته يسفه خصومه، ومن خلال مناظراته يكشف عورة حساده، فهو يقول مثلا في حديثه مع بغلة أبي عيسى عدوه : ( إن من إخوانك من بلغ الإمارة وانتهى إلى الوزارة…)، فيشبه أبا عيسى بالبغل الذي استوزر، ويجعل شيخا من النحاة كان يغتابه إوزة يبزّها ويلسعها بسياط النقد، ويخص عدوه اللذوذ أبا القاسم الإفليلي بنقد موجع على لسان الصبيان : ( هو أبخل أهل الأرض لا محالة، … ليست مشيته مشية أديب ولا وجهه وجه أريب، ولا جِلسته جلسة عالم، ولا أنفه أنف كاتب ولا نغمته نغمة شاعر. ).

وهكذا يمضي في تسفيه خصومه والحط من قدرهم وتبخيس مكانتهم، وفي الوقت ذاته يرد الاعتبار لنفسه ويبرز قيمته ومكانته، بطريقة مخترعة لم يسلكها في حدود ما بحثت،  ـ وهو جهد مقلّ ـ أحد قبله.

فكانت لها قيمة كبيرة حيث ذاع صيتها وانتشر أمرها لا في الأندلس والغرب الإسلامي فقط، بل في المشرق كذلك، حتى أن الشاعر الفيلسوف أبا العلاء المعرّي نسج على منوالها واقتفى أثرها واستحوى من طريقتها رسالة الغفران، وكذلك استوحى منها الكاتب الغربي دانتي عمله الخالد الكوميديا الإلهية، والشيء نفسه فعله الروائي المصري نجيب محفوظ في عمله الذي أثار ضجة في العالم الإسلامي من خلال روايته : أمام العرش، ولعل الكل استوحى هذه الطريقة الفريدة من قصة الإسراء والمعراج، فيكون بذلك القرآن الكريم هو منبع كل الإبداعات ومنهل كل الأدباء مسلمين كانوا أو غير مسلمين.

إننا إذن أمام كاتب فنان، أوتي الحكم صبيا، وهز بجذع الأدب فتساقط عليه الكلام رطبا جنيا، لكن الناس اليوم لا يطالعون، أو لا يريدون أن أن يطالعوا، ويتحاشون تراث الأجداد، والله نسأل السداد.

 




للأمانة منقول عن موقع مقال

Source link

الڤرمــة مـراد

الڤرمــة مـراد

إبن منطقة بني سنوس متحصل على شهادة الماستر في الاتصالات السلكية واللاسلكية من جامعة تلمسان, وشهادات CCNA من اكاديمية CISCO مهتم بعالم التكنولوجيا و التقنيات الجديدة و الآمن المعلوماتي صاحب موقع https://summarynetworks.com والمشرف التقني على موقع https://benisnous.com

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: